اسد حيدر

20

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

تضييق دارة المقاطعة التي أعلنها الإمام الصّادق ، والتي سار عليها كثير من الناس . وسيأتي مزيد بيان لمواقفه مع المنصور وإعلان غضبه عليه ، وقد عرف المنصور بالشدة والقسوة وعدم مبالاته في إراقة الدماء وكان يقتل على الظنة والتهمة ويحاسب من يتهمه بالإنكار عليه أشد المحاسبة ، ولا يلين في شيء من ذلك ، كما لا يتورع عن ارتكاب ما حرّمه اللّه تعالى . والمنصور على ما فيه من الظلم وسوء المعاملة للرعية ، كان يتمنى أن يكون في دولته مثل الحجّاج بن يوسف ، ذلك السّفّاح المستهتر ، فكان يقول : واللّه لوددت أني وجدت مثل الحجّاج بن يوسف ، حتى أستكفيه أمري وأنزله أحد الحرمين « 1 » . ومعنى ذلك أنّه كان يتمنى أن يقضي على أهم مصدر للتشريع الإسلامي ، فيضع السيف في حملة الحديث ورجال العلم الذين يحتفون بالإمام الصّادق ويتفقهون عليه ، ويملأ السجون من الصلحاء ، ويصبغ وجه الأرض من دماء الأبرياء . وقد أشرنا إلى طرف من أعمال المنصور وسوء سيرته ، وما كان يلقى الإمام الصّادق منه في سبيل الدعوة إلى اللّه تعالى « 2 » . الصراع بين المدرسة والدولة : وكانت مدرسة الإمام الصّادق عليه السّلام بعيدة عن التأثّر بآراء الحكّام ، الّذين يفرضون إرادتهم على العلم والعلماء ، ويحاولون أن تكون لهم السلطة الدينية إلى جانب السلطة التنفيذية ، مما يؤدّي إلى الفوضى الكاملة في الحكم عندما يستغلّون الدّين ، ويتّخذون من رجاله وسيلة لاشتغال الناس عن مؤاخذتهم ، ويدينون لهم بالطاعة الكاملة ويحل الإيمان بتقديسهم محل الإيمان باللّه ! ! أما مدرسة الإمام الصّادق عليه السّلام فإن الصراع بينها وبين الدولة كان على أشده ، والعداء بالغا نهايته ، الأمر الذي جعل المدرسة عرضة للخطر ، ولكنّها رغم ذلك صمدت لتلك الهجمات التي توجهها الدولة لتمحوها من صفحة الوجود . وقد تحملت بطش الجبارين ، وعسف الظالمين ، فأدت رسالتها على أكمل وجه . وكان منها النتاج الصالح ، الذي يفيض على الأمّة خيرا وبركة ، ويطفح بالعلم والحكمة والعرفان ، وخرّجت عددا وافرا من رجال العلم ، وحملة الحديث . ولم تكن كل تلك المعارضات من قبل ولاة الجور

--> ( 1 ) الطبري ج 9 ص 298 . ( 2 ) الإمام الصّادق والمذاهب الأربعة ج 2 .